مفهوم القوة وإعادة فتح الملف الإيراني في أحدث إصدارات مركز الدراسات الاستراتيجية بمكتبة الإسكندرية

كتبت :شيماء بحر

صدر عن وحدة الدراسات المستقبلية التابعة لمركز الدراسات الاستراتيجية بمكتبة الإسكندرية كتاب “تفكيك مفهوم القوة عند ميشيل فوكو: إعادة فتح الملف الإيراني” للدكتور محمد صفار؛ أستاذ النظرية السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة.

يختبر المؤلف من خلال هذا الكتاب كيفية بناء الفيلسوف الفرنسي فوكو لمفهومه للسلطة/ القوة وكيف أنتج ذلك عددًا من المفاهيم يشير كل منها إلى إدراك معين لظاهرة السلطة. كما يقوم بتسكين الملف الإيراني في الجذور الفلسفية لخطاب فوكو، ثم يتطرق لإعادة بناء عناصر مفهوم القوة الفوكولي في هذا الإطار.

يجادل المؤلف في هذا الكتاب بأن ميشيل فوكو يقدم تصورًا مفاهيميًّا يسلط الضوء على القوة وسيخلص النظرية السياسية والتحليل السياسي من مثالب التصور القانوني – القمعي للقوة. ويمكن تقسيم هذا الفرض الرئيسي إلى ثلاثة فروض فرعية. أولها، أن تصور فوكو للقوة كان نتاجًا لمسلماته النظرية والفلسفية التي تتسم بالعداء للمذهب الإنساني. ثانيها، أن فوكو قدم تصورًا خلاقًا لعلاقات القوة؛ بحيث لا يمكن اختزالها إلى علاقات الإنتاج. ثالثها، أن تصوره للقوة جرى إدخال تعديلات واضحة عليه بعد معايشته وتحليله للثورة الإيرانية، بما أدى إلى فتح ثغرة للمقاومة في هذا التصور، عن طريق استيعاب العامل الروحاني.

ويتناول المؤلف أعمال فوكو ذاتها كخطاب يتمتع بسياقه وإشكالاته ومفاهيمه وموضوعاته واستراتيجياته، حيث يمكن للقارئ أن يتعرف على عناصر ثلاثة للخطاب الفوكولي، هي: تكنيكات القوة وتكنيكات المعرفة وتكنيكات الذات، وهي لا تعدو أن تكون سبلاً مختلفة تقود إلى الإشكالية الكبرى التي تخترق نسيج الخطاب الفوكولي، ألا وهي جينالوجية الذات الحديثة. والموضوع الرئيسي للخطاب هو البنية سواء تجسدت في شكل بنى معرفية أو ترتيبات للقوة. وباستطاعة المرء أن يتعرف على عمارة من المفاهيم الداعمة بعضها بعض في ذلك الخطاب؛ مثل القوة والمعرفة واللذة والعقل والخطاب. ولعل الاستراتيجية التي يطبقها الخطاب لربط عناصره هي مركب الأركيولوجيا – الجينالوجيا الذي يعدل ذاته باستمرار.

ينقسم الكتاب إلى خمسة فصول، يتناول الفصل الأول السياق النظري للخطاب الفوكولي ومكوناته. ويركز الفصل الثاني على تحليلات فوكو لتكنيكات القوة. أما الفصل الثالث فيحاول الإشارة إلى موضع الدولة في التحليل السياسي لفوكو. بينما يكشف الفصل الرابع عن تحليل فوكو للحدث الثوري الإيراني والدور الذي لعبه العامل الروحاني في المقاومة. وأخيرًا، يسعى الفصل الخامس لإعادة بناء عناصر مفهوم القوة الفوكولي مع مقارنته باثنين من مفكري القوة؛ هما أنطونيو جرامشي ولويس ألتوسير.

ويستعرض المؤلف مجموعة المقالات التي كتبها فوكو وقت زيارته لإيران أثناء الثورة، ضمن مجموعة من الباحثين والصحفيين، بتكليف من جريدة إيطالية. والمقالات في الأصل مكتوبة باللغة الإيطالية، لكن ترجمتها الفرنسية موجودة في المجلد الثالث لكتاب المقولات والكتابات (Dits et ´ecrits).

في سياق تجسيد الفجوة بين أعمال فوكو والملف الإيراني، يقوم المؤلف بخطوتين متلازمتين. أولهما، استيعاب الملف الإيراني في الأسس الفلسفية لأعمال فوكو، من خلال توضيح أثر تلك الأسس الفلسفية في تولية فوكو كوجهة تحليلية صوب الحدث الإيراني. ثانيهما استلهام مداخل من أعمال فوكو تكون بمثابة رؤوس كباري للعبور إلى الملف الإيراني، وتساعد في ذات الوقت على تركيب رؤية وفهم فوكو لمسألة المقاومة.

ويخلص المؤلف إلى ثلاثة نقاط قام باستعراضهم في نهاية الكتاب. أولاً: أن فوكو يرى أن القوة منتجة ومجددة وعقلانية وما وراء الأخلاق وتفرض الحياة لا الموت وموجودة في كل مكان. ويجعل هذا الإدراك للقوة من اللازم على تحليله السياسي أن ينأى بنفسه عما يسمى بفرض القمع، ويستكشف مناطق جديدة بأدوات وأساليب مناهجية جديدة لدراسة ظاهرة السلطة. وبهذه الطريقة يفتح مفهوم فوكو للسلطة والمقاومة الروحية فضلاً عن مناهجيته الجينالوجية آفاقًا جديدة للتحليل السياسي. وسوف يمكن ذلك التحليل السياسي أيضًا من أن يجدد نفسه كليةً، ويتسلح بترسانة من الأدوات والدراسات تشكل معالم بارزة في هذا الطريق الجديد.

ثانيًا: لما كان فوكو قد وصل بين هاتين المنطقتين المنفصلتين ظاهريًّا أي السلطة والمعرفة، لن تعود النظرية السياسية والتحليل المصاحب لها لتخدعنا بادعاءات الحياد والموضوعية، التي تعيد توظيف مفهوم الذات المحايدة واللاسياسية والمتجاوزة للتاريخ. بل ستصير النظرية السياسية في منتهى الوعي بعلاقات السلطة المتداخلة بعلاقات الاستغلال، والتي تشكل سياقها ونظام الحقيقة الذي توظف فيه الممارسة النظرية ذاتها. ولذلك سترى النظرية السياسية نفسها باعتبارها ممارسة متجذرة بعمق في الصراع السياسي المنتج لها، كما أنها ستُعزى من قبل صراعات سياسية أخرى التي ستوظف التكوينات النظرية أو الخطابية لتكمل الممارسات غير المكتملة في المناطق غير الخطابية (الفعلية). نتيجة لذلك، ستزعم النظرية السياسية لنفسها القيام بدور نقدي، عن طريق إعادة وصل نفسها بمشكلات سياقها وواقعها، كممارسة وصراع مواز للصراع السياسي. وستضع لنفسها في ظل الدور النقدي هدفين: فصم العلاقة العضوية بين زيادة القدرات وزيادة السيطرة، وتجاوز الحدود أو القيود التي عينها السياق المجتمعي لتحديد نقاط التغيير.

ثالثًا: أهم ما يكون هو المثقف أو الباحث أو الدارس الذي تتدلى رأسه دائمًا في النظرية السياسية، وترمز استعارة الطليعة لمكانة المثقف كحامل للواء التنوير، الذي عليه مهمة دفع الجماهير الجاهلة على طريق التقدم، بأن يجبرها على فتح أعينها على وجودها المتخلف، وأن يفرض عليها خطة كبرى ستعيد إليها إنسانيتها، هذا الدور المتكبر وغير الجوهري على الإطلاق للمثقف، وكذلك عملية الهندسة الاجتماعية اليوتوبية المرتبطة بها ثبت أن نتائجها كارثية.

ففي التحليل السياسي، تكمن المشكلة في أن رأس مثل هذا المثقف لم تخر بعد، ولن تستطيع النظرية السياسية أن تخلص نفسها من مشكلاتها النظرية والسياسية، ما لم ترسل هذا المثقف إلى الإعدام. يتعين على النظرية السياسية ألا تعرض خططًا كبرى تقفز فوق الواقع، وإنما تنتج دراسات نابعة من الواقع ومشكلاته، وبالتالي ستفتح السبل أمام تغيرات تدريجية محدودة. إن على المثقف ألا يكون في الطليعة بل في المؤخرة التي تجعل المسلمات إشكاليات للدراسة وتنظر عن الناس وليس للناس. وفوق ذلك، فعلى الدارس أن يسعى لخلق نفسه كعمل فني وأن يدع الظاهرة محل الدراسة تحمله معها، فيعيد تشكيلها ويتركها تخلقه وتعيد خلقه.

 

 

التعليقات

Comments