معرض “المشترك … العرب وأوروبا” بمكتبة الإسكندرية

كتبت :شيماء بحر

ينظم كلا من لجنة المتاحف العربية ولجنة المتاحف الأوربية بالتعاون مع مكتبة الإسكندرية، تحت رعاية منظمة المتاحف الدولية التابعة لليونسكو، معرضًا بعنوان “المشترك … العرب وأوروبا”، وذلك في الفترة من 28 يناير إلى 10 فبراير 2018 بمكتبة الإسكندرية. كما سيتم أيضا تنظيم المعرض في الأكاديمية المصرية للفنون بروما في إبريل 2018.

وقد ذكر الدكتور مصطفي الفقي مدير مكتبة الإسكندرية أن هذا المعرض يهدف إلى البحث عن المشترك عبر العصور بين العرب وأوروبا، هذا المشترك الذي بدأ منذ عصور مبكرة، فالفنون الهلنستية اتخذت من شجرة الحياة رمزًا قويًا يعبر عنها، هذه الفنون التي مزجت بقوة بين الشرق والغرب لأول مرة في التاريخ.

 والمعرض هنا يعرض لنا “شجرة الحياة” وهي من حضارة بلاد الرافدين و قد تم إختيار هذه الشجرة  كعنصر زخرفي مشترك بين العرب وأوروبا، وقد قام الفن الإسلامي على أسس من الفنون التي كانت سائدة في البلاد التي فتحها العرب والتي أصبحت تكون جزءًا من الدولة الإسلامية وهي: الفن الساساني، والبيزنطي،والروماني، والفن الهندي، وفنون الصين،وآسيا الوسطى.

علما بأن الفن الإسلامي لم يأخذ كل ما صادفه في فنون الحضارات من موضوعات وعناصره، بل وقف منها موقف الفاحص الناقد، لذلك فإننا نجد الفنان المسلم قد أمضى فترة طويلة في عملية استيعاب،واختيار، ومزج. فقد جمع العناصر الزخرفية من فنون البلاد التي خضعت للإمبراطورية الإسلامية المترامية الأطراف، والتي امتدت من الهند شرقًا إلى شمال إفريقيا وبلاد الأندلس غربًا ثم اختار ما لا يتعارض مع أحكام الدين ثم مزج ما يلائم منها ذوقه العربي.

ومن الموضوعات الزخرفية الهامة التي تماشت مع طبيعة الدين الإسلامي والتي لاءمت الذوق العربي العناصر النباتية، ومن أهمها “شجرة الحياة” التي كانت عنصرًا زخرفيًا هامًا منذ أقدم الحضارات، فقد استعملت موضوعًا أساسيًا في توضيح الأساطير. ويرجع أصل شجرة الحياة إلى عبادة الإله أوزوريس، حيث اعتقد المصريون القدماء أن الإله أوزوريس هو روح الحياة الخضراء النابتة من الأرض، وكانوا يرون هذه النباتات المخضرة تروى كل عام وتتراءى لهم كأنها ماتت، ولكنها تعود إلى الحياة مرة أخرى، ومن ثم فكانوا يرون أن الإله أوزوريس هو رمز للموت ثم الحياة مرة أخرى.

أما بخصوص مباني المسلمين، فعادة ما ينظر إلى شجرة الحياة على أنها نباتات، أو أزهار، أو فاكهة تحمل في إناء أو على شكل شجرة منمقة. تم استخدام المزهرية مع النباتات والأزهار والفاكهة في الفنون الإسلامية لسببين: أولاً كانت تستخدم لقيمتها الزخرفية والزينة، وثانيًا كانت تستخدم لترمز إلى شجرة الحياة بمعنى “أشجار السماء”، مما يشير إلى مفهوم الآخرة وحسن الحظ للحياة القادمة. ونجد انه غالباً ما يجري التلميح إلى مفهوم شجرة الحياة الفردوسية في الفن الإسلامي هكذا هي شجرة الحياة، تدب في الفن والحياة باعثة للمشترك بين العرب وأوروبا ليستخدمها فنان قبرصي في صناعة طبق خزفي تتوسطه شجرة الحياة من التذهيب الخزفي الإسلامي والروح الأوروبية .. إنه المشترك.

كما أن انتشار اليونانيين في مصر سبق دخول الإسكندر الأكبر، لذا لم يكن الإسكندر في بيئة غريبة كليًا عنه عندما دخل مصر، واستخدمت اليونانية كلغة للعلم في مكتبة الإسكندرية القديمة، ومن الأمثلة علي ذلك بردية تقدم لنا معلومات عن مقتنيات المكتبة القديمة، وكان للغة اليونانية الفضل في التوصل إلى فك شفرة لغة قدماء المصريين عبر وجودها ضمن نصوص حجر رشيد.

وعندما كانت اللاتينية لغة للعلم، ترجم منها العرب العديد من مخطوطات العلوم والفلسفة إلى اللغة العربية، وهو ما نشاهده في العرض من مخطوطات مترجمة إلى العربية (لوحات) كانت هي الجسر الذي جعل أوروبا تستعيد تراثها بعد ذلك من ترجمته من العربية، فضلًا عن ما ترجمته أوروبا من كتب علمية وفلسفية عربية إلى اللاتينية في بداية عصر نهضتها.

والجدير بالذكر أن المشترك يجعلنا نتطرق إلى الحوار الفكري والذي مهد لقبول الآخر في عام 616ه/1219م حيث تحاور كل من الملك الكامل (1218م -1238م)، وكان عارفاً بالأدب والشعر، مع القديس فرنسيس الأسيزي (من مدينة أسيزي-إيطاليا)، مؤسس الرهبنة الفرنسيسكانية، فقد زار القديس فرنسيس الأسيزي مدينة دمياط أثناء الحروب الصيلبيية في محاولة لإنهاء الحرب بين الشرق والغرب دون المزيد من إراقة الدماء، وعندما فشل في اقناع معسكر الصليبيين، طلب السماح له بمقابلة الملك الكامل لمحاورته في أمور الإيمان. جاء الحوار بين الرجلين على أعلى مستوى روحي، وإيماني، وثقافي بين راهب صوفي وسلطان مؤمن مثقف ليظل ما جرى قصة تحكى للأجيال.

إن المشترك جعل العملات متحدثًا عن تبادل تجاري قوي، هنا يحضر التالير النمساوي (عملة أصلية) كعملة دولية استخدمها العرب، وظلت مستخدمة في اليمن وعمان إلى منتصف القرن العشرين.

من هنا ترى الصعود الأوروبي، فالعرب يهتمون إما بالتأليف أو الترجمة للعلوم الأوروبية للاستفادة منها، لنذهب إلى حد اعتبار المصريين اللغة الفرنسية لغة إدارة ولغة ثقافة على الرغم من أن فرنسا لم تستعمر مصر، لكن ظل المصريون ينظرون للغة الفرنسية على أنها لغة علم وثقافة فاستخدمت في دواوين الدولة وفي الأوساط الثقافية.

 كما أن المعرض يعتبر نتيجه مشروع بحثي قام به أعضاء اللجنة الوطنية للمتاحف وبدعم علمي من عدد من المتاحف الأوروبية.

وأخيرًا يظهر هذا المعرض أن اسم مكتبة الإسكندرية يثير في الذهن صورة ماض مجيد، تراث مشترك، ليس فقط بين اليونان ومصر، ولا حتى البحر الأبيض المتوسط ​​كله، بل تراث مشترك للبشرية جمعاء. لأن مكتبة الإسكندرية تكشف أكبر مغامرة للعقل البشري.

 

التعليقات

Comments