فاطمة محمود تكتب : أين نحن من الواقع ؟!

أصبحنا بلا هدف .. بلا ماض .. بلا مستقبل .. بلا هوية وبلا حياة واقعية .

حياتنا عبارة عن لوحة مفاتيح وأصابع متحركة لنعبر عن حالتنا بصور عليها كلمات أو رموز تعبيرية ربما تكون غير حقيقية ، أصبحنا علي المشاع بلا خصوصية أو حياء .

منذ ظهور شبكات التواصل الإجتماعي وتفشيها في حياتنا ، فتحولنا إلي أشباح وراء شاشات من زجاج وتقوقعت حياتنا مابين ( إضافة صديق ، إعجاب ، تعليق ، وتنتهي بالحظر ) ، وتلاشت بداخلنا القيم وتدنت الأخلاق وتكاسلنا عن صلة الرحم وباتت إجتماعياتنا منشورات علي صفحاتنا الشخصية . الأعراض السلبية لتلك المواقع دمرتنا نفسيآ وجسمانيآ وإجتماعيآ .

أصبحنا مدمنين مخدر من نوعآ خاص ، وقضائنا ساعات طويلة في إستخدام هذه الوسائل أغلق حواسنا عن الواقع وصارت خير وسيلة للهروب من كل مايزعجنا ويعكر صفونا ، وفي حالة إنقطاع الإنترنت نتحول إلي كائنات الزومبي وعصبيتنا تفقدنا كل شئ . وعلي الرغم من إن السبب الرئيسي لوجود تلك الشبكات هو زيادة الترابط الإجتماعي وعمل صداقات جديدة تزيد من ثقافتنا وإرتباطنا بعالمنا الواقعي ، إلا أن في الوقت ذاته أدت إلي ضعف التواصل الإنساني وضعف مهارات التواصل الإجتماعي ، تعودنا علي الإنعزال الشعوري عن المجتمع القريب بالإندماج مع المجتمع الإفتراضي البعيد .

تناسينا عاداتنا وتقاليدنا ، انحدرنا بالقيم والأخلاق ، أنعدم الإحترام وتقبل الأخر ، فنجد الشخص أحيانآ جالس مع عائلته في حضرة ضيوفه ومنشغلآ مع أصدقائه علي الفيس بوك او الواتس أب عن واجب الضيافة ، نري أن الإختلاف في الرأي أصبح يفسد كل القضايا ، وكلآ يفرض رأيه دون تقبل أراء الأخرين وعند الإختلاف يكون إلغاء الصداقة والحظر هو الرد المناسب لإعلاء كلمة الأنا .

أطفالنا في خطر مميت ، الأباء والأمهات فقدوا السيطرة علي أولادهم واصبحت مواقع التواصل الإجتماعي هي المربي الأول والأخير ، وذلك بخلاف أنشغال الأهالي دومآ في أستخدام تلك المواقع وزادت نسبة الإنفصال والطلاق ، وتلاشت الرقابة الأسرية وأرتباط الأطفال بهذه المواقع أدي إلي شعورهم بالملل من الزيارات العائلية وصلة الرحم وأصبحنا قرباء ابعد البعد عن بعضنا البعض . الإستخدام المفرط لمواقع التواصل الإجتماعي زاد من إحساسنا بالوحدة والإكتئاب والإكتفاء بمتابعة الحياة عبر الشاشات ومراقبة الأصدقاء والمعارف دون التفاعل معهم علي أرض الواقع .

زادت الإنطوائية والخوف والعزلة مع تجاهلنا الأسباب الحقيقة وراء ذلك واننا مافعلنا ذلك بأنفسنا وقمنا بدفن كل ماهو عزيز وغالي في عالم إفتراضي لا أساس له من الصحة . تأخرنا في شتي نواحي الحياة ، سواء تعليميآ او إقتصاديآ او فكريآ وثقافيآ ، استخدامنا السئ يضيع أوقاتنا وطاقتنا دون الإستفادة منها في أداء واجباتنا الدراسية او البحثية ، انتجايتنا العملية اصبحت أقل وادائنا الوظيفي في الأسوء لإنشغالنا بالرسائل والرد ع الكومنتات .

إنتشرت ثقافة الإنحلال الأخلاقي والفساد لأن هذه المواقع ولاسيما ” الفيس بوك ” عبارة عن مجتمع مفتوح أمام كل الثقافات التي من ضمنها مايتعلق بترويج قيم الفساد والإنحلال دون رقيب او حسيب . أما أهم وأخطر هذه المساوئ في استخدام تلك الشبكات ، هو إنتشار الشائعات والفتن الإجتماعية ، فالكثير من الأفراد يعبرون عن ارائهم علي صفحاتهم الشخصية ولكن المشكلة تكمن أن أرائهم هذه ترجع إلي فهمهم الشخصي وليست من مراجع موثقة .

ويأخذون بإصدار الأحكام علي الأخرين وتشويه سمعتهم دون التحقق مما قيل ، فما أن ينقل الفرد خبرآ ما ويعيد صياغته في أغلب الأحيان حسب روئيته الشخصية لما حدث ، حتي يبدء أفراد أخرون باإتباعه والإنجرار وراء كذبته علي إنها صحيحة وتنتشر الشائعة في لمح البصر وتحدث الفتنة دون الرجوع إلي مصدرها الحقيقي او البحث وراء مصدقيتها من العدم . تشوهنا نفسيآ ، إرهقنا جسديآ ، تدمرنا أخلاقيآ ، خسائر لا يمكن حصرها فماذا باقي ؟! وأين نحن من الواقع ؟!

التعليقات

Comments